الشيخ محمد رشيد رضا

7

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

وجملة القول أن إعلام اللّه رسوله والمؤمنين بما سيكون من الكافرين والمنافقين ، وتلقينه إياهم الحجة ، وإنزالهم منزلة الشهداء والمحكمين ، ثم تبيينه لهم حكمة التأويل ، - كان مؤيدا ومسددا لهم ونورا يسعى بين أيديهم في ظلمة تلك الفتنة المدلهمة ، ولعمري ان هذه هي البلاغة التي لا غاية وراءها - إعلام بما سيكون من اضطراب السفهاء في أقوالهم أشير اليه بالاستفهام مجملا ، ولم يذكر معه وجه الشبهة حتى لا تسبق إلى النفوس ، والغرض إقامة الموانع من تأثيرها عند ورودها من أربابها - واختصار للبرهان ببيان ان المشرق والمغرب كسائر الجهات للّه تعالى ، أي يخصص منها ما يشاء فيجعله قبلة لمن يشاء - وبيان لمكانة الأمة المحمدية التي أعطيت كل أصل ديني بدليله وحكمته ، وكلفت العدل والاعتدال في الامر كله ، أي فلا يليق بها أن تبالي بانتقاد السفهاء المذبذبين بين الافراط والتفريط وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ اي وما جعلنا القبلة فيما مضى هي الجهة التي كنت عليها إلى اليوم ثم أمرناك بالتحول عنها إلى الكعبة الا ليتبين لك وللمؤمنين الثابت على ايمانه ممن لا ثبات له ، فتعلموا المتبع للرسول من المنقلب على عقبيه ، برجوعه إلى الكفر الذي كان عليه ، أو الا ليكون علمنا الغيبي بحقيقة أمرهما ومآلهما علم شهادة بوقوع متعلقه وهو الذي يترتب عليه الجزاء . أي ان اللّه تعالى يختبر المؤمنين بما يظهر به صدق الصادقين ، وريب المرتابين ، وعاقبة المنافقين ، ليرتب عليه الجزاء . وانما يثبت من فقه في الشيء فعرف سره وحكمته ، وأما المقلد الآخذ بالظواهر من غير فقه ولا عرفان والمنافق غير المطمئن بالايمان ، فلا يثبتان في مهاب عواصف الشكوك والشبهات وقال مفسرنا الجلال : وما صيرنا القبلة لك الآن الجهة التي كنت عليها أولا وهي الكعبة الخ - وهو مبني على قول الأقلين ان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم كان يصلي أولا إلى الكعبة ثم أمر بالصلاة إلى بيت المقدس ، فيكون النسخ قد حصل مرتين ، والأكثرون على أن المراد بالقبلة التي كان عليها بيت المقدس قال بعض المحققين ان هذه الجملة من قبيل ( وما جعلنا الرؤيا التي أريناك الا فتنة للناس ) فالرؤيا لم تكن بنفسها فتنة وانما افتتن الناس إذ أخبروا بها ولم يفقهوا